محمد محمد أبو موسى
522
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
مفهوم المتأخرين أما طريقة التخييل فهي أقرب إلى فرض الأشياء وتخيلها كالمحاورة بين الجدار والوتد ، ونداء الأرض واجابتها ، ومقاولة جهنم ، وشكاية البيت ، والوحي اليه ، وقد يكون منه القصص على ألسنة الحيوان ، فهو باب الخيال الطليق الحر ، الذي يبعد في التحليق عن الخيال المحدود في صور الاستعارة ، وقد لحظ هذا بعض القدامى ، قال الشهاب تعليقا على قول البيضاوي الملخص من كلام الكشاف في قوله تعالى : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » « 169 » : « والمراد بالتخييل ما يقابل التصديق كما في قولهم : الناس للتخييل أطوع منهم للتصديق ، وهو ما سلف من المقدمات المتخيلة ، لا تخييل الاستعارة بالكناية ، كما يوهمه تشبيهه بقولهم : شابت لمة الليل ، فما قيل في كتب القوم ان القياسات الشعرية وان أفادت الترغيب والترهيب لا ينبغي للنبي صلّى اللّه عليه وسلم لأن مدارها على الكذب ، ولذا قيل : أعذبه أكذبه » ( انتهى كلام الشهاب ) . والزمخشري ينبه إلى أن التمثيل كما يكون بالأمور المحققة يكون كذلك بالأمور المتخيلة المفروضة ، وقد سبق أن ذكر في التشبيه نوعا سماه التشبيه التخييلى ، وقلنا إنه يقصد به ما كان المشبه به فيه خياليا محضا ك : « رؤوس الشياطين » - ولعله أراد هنا التمثيل التخييلى أي ما تكون صورة المشبه به المستعارة خيالية مفروضة . يقول الزمخشري في قوله تعالى : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها » « 170 » : « والثاني أن ما كلفه الانسان بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق اللّه من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به ، فأبى حمله والاستقلال به ، وأشفق منه ، وحمله الانسان على ضعفه ورخاوة قوته « إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » ، حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها ، وضمنها
--> ( 169 ) الزمر : 67 ( 170 ) الأحزاب : 72